|
|||||||
|
|
ثقافة «الودينة» في زمن «الهيقي»
قبل عصور النهضة كانت السلطة المطلقة تتقاسمها كل من الكنيسة والنظام الإقطاعي، أما الشعب الأوربي فقد كان غارقا في جهله المدقع.. وكان الناس شعبويين ويؤمنون بالخرافة والأساطير، وينظرون بعين الريبة إلى كل ما يمت إلى العلم بصلة، وكانت الكنيسة بالفعل تقيدهم بحبالها وتصور لهم عالما من الحقائق المزيفة على أساس أنه الحق من ربهم بالتفويض.. وقد كانت فكرة قيام ثورة فكرية حداثية من الأمور الميؤوس منها في وقت من الأوقات، لأن الحقيقة تتملكها الكنيسة، ولا سبيل إلى إحقاق حقائق غيرها، لأنه لا أحد داخل دائرة المنتفعين في النظام الإقطاعي أو الكنيسة كان ليسمح بذلك، وكان السبيل الوحيد إلى الخلاص هو قيام جماعة ما بتنوير الشعب وزرع بذور الشك في مسلماته اليقينية التي أودعها رجال الإكليروس والرهبان، وكانت هذه الجماعة هي البورجوازية الصغرى، وهي تلك الطبقة من الشعب التي امتلكت القليل من الإمكانيات بمجهودات ذاتية محضة من أجل توفير الحد الأدنى من جودة التعليم لأبنائها، ودفعهم إلى طرح الأسئلة وإعادة مساءلة نظم وقوانين وفلسفات الكنيسة.. وبمساعدة عوامل أخرى، كانتشار القراءة وتعود الناس على الذهاب إلى المسارح وكل ما يثير فكرا تقدميا مناهضا لروح التحجر الفكري الذي كانت تدعمه الكنيسة، انتقلت أوربا من عصور الانحطاط والظلام إلى عصور النهضة.
نحن هنا ليس لدينا نظام إقطاعي مستبد، وليست لدينا كنيسة تحكم وفق نظرية الحق الإلهي، وهناك اختلافات كثيرة بين أوربا العصور الوسطى وعرب العصور الراهنة.. ولكن الخلاصة العامة التي يمكننا الركون إليها بكل راحة (ضمير)، هي أننا بالفعل نشبه أسلافهم الأوربيين في الكثير من الأشياء، أولها أن الخرافة والجهل والأمية مستحكمة فينا حد القرف.. كما أننا والأوربيين القرسطويين نتشارك في خاصية «الدوغمائية» وفلسفات «طارت معزة» و«سير تصلع».. أي أننا غير مستعدين أبدا لسماع رأي أو حتى شك في مسلماتنا الخرافية، فإن أنت قلت لأحدهم إنه لا وجود لشيء اسمه التلبس لأن العلم كذا وكذا.. أجابك بتهكم "نتوما راكم غير كتخربقو".. ثم يحكي لك عشرات الحكايات التي تثبت أن مشتقات داء «الصرع» ما هي إلا «ترنحات شياطين شريرة مستوطنة».. وإن أنت قلت لأحدهم إن القضاء والقدر (أي المكتاب في العرف الشعبي) ليس على الوجه الذي يعتقدونه، وإذا دعوت شبه المثقفين منهم وفقهاء الدين إلى النظر في حجج «المعتزلة» بهذا الصدد، قالوا لك إن هذه «المعتزلة» فرقة كافرة خرجت منذ قالت بخلق القرآن.. أما العامة في هذه الحالة فلن يجيبوك سوى بشيء من قبيل «أعوذ بالله.. انت راك باغي تكفر».. ويمكنكم تذكار مواقف أخرى مماثلة يتوحد فيها المغاربة لإعمال عقل الشك والتساؤل والاعتماد على المنطق المحض.. هؤلاء هم العامة.. لا يقرؤون لأنهم ألفوا «ثقافة الودينة»، ولا سبيل إلى تغيير معتقداتهم التي لا تمت إلى العلم أو الشرع بصلة، لأنهم ألفوا الارتكان إلى ثقافة شعبوية بالية لا يسمعونها من أفواه الجدات فحسب، بل أيضا من ثغور بعض مدعيي الثقافة من أصحاب «الكرافاطات المعرفية» من أساتذة وقضاة ومهندسين وصحفيين (ويا حسرة). وفي الوقت الذي يصل فيه معدل الكتب التي يقرؤها الفرد الواحد في أمريكا إلى 14 كتابا في السنة، لا يتجاوز المعدل السنوي هنا بالمغرب «الصفحة الواحدة»، ورغم ذلك فإن أنت قلت لهذا الشعب إنك أمي، غضب وانطلقت شرارة حموته الذاتية.. ومع هذا أيضا يستغرب البعض أننا متخلفون عن ركب الحضارة، وكأنهم سبق وأن سمعوا بأمم تقدمت بـ«الهيقي» وكثرة الكلام وتضخم الأنا الأعلى (على والو). هناك أمل واحد يشع في الأفق، وهو بأيدي «البورجوازية الصغرى» في المغرب، فهي الوحيدة القادرة على انتشال هذا الشعب من جموده الفكري، وإخراج الطاقات الكثيرة المغمورة والمقموعة من داخل تلابيبه. على البورجوازية الصغرى أن تستغل انفتاحها على العالم وثقافاته وكتبه ومعارفه لتشع فكرا متنورا جديدا يقود الناس إلى الجرأة على الشك.. هذه هي معركتنا ضد كنيستنا... وما كنيستنا إلا هذه الأمية المستفحلة.. والسلام. الثلاثاء 25 ماي 2010
عبد الكريم القمش
مواضيع ذات صلة
مذاهب «المانشوفوش»... - 2010-06-16«زغبة معاوية» - 2010-06-08ما تعتقلش ولادي.. - 2010-06-02العكر على "الحداثة".. - 2010-05-18للناس أزمنتهم.. وللحضارة زمانها - 2010-05-12جديد: تذاكر القطار بالعربية الفصح - 2010-03-03تعليق جديد
|
||||||
|
|||||||


الرئيسية









