|
|||||||
|
|
جذبة عالمية بالطريقة البوتشيشية في حضرة الشيخ حمزةحمزة: الطريقة البوتشيشية أصبحت كونية والمنتسبون الأجانب هم رسلها
حضور الشيخ حمزة إلى مجالس المريدين، أو ظهور أحد أبنائه أو حفدته، أو مجرّد ذكره أو الانخراط في ترديد جماعي وحماسي للأذكار والأوراد يُدخل المريدين، القدماء منهم والملتحقين، في حالات من الوجد الصوفي، تتباين شدّته، فمنهم من ينتفض فجأة مطلقا صرخة أو كلمة "الله" أو "آحبيبي"، ومنهم من يغمض عينيه وينخرط في عمليات زفير قوي حتى يكاد يغمى عليه، ومنهم من يكتفي برفع يديه نحو الأعلى بين الفينة والأخرى.
الدقائق الأخيرة من عمر أول أمس السبت، يوم ذكرى المولد النبوي، عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل، حشود غفيرة من كل الأجناس البشرية وألوانها جلست بين أعمدة هذا المسجد البوتشيشي الفسيح. أجسادهم تعبت من "طواف" يوم طويل بين جلسات الملتقى العالمي للتصوّف، وتمرين "الزيارة" المضني، أي الحصول على فرصة المرور أمام أعين شيخ الطريقة ورمزها، حمزة بن العبّاس. عقارب الساعة تبدو بطيئة، فيما انتصر الصمت أخيرا على جلبة المريدين وحناجر الذكر والأوراد، أعين الجميع شاخصة في بابي المسجد المجاورين لما يشبه المحراب، علّ "سيدي حمزة" يظهر أخيرا. فحفيده وخليفته وعرّاب طريقته في أصقاع العالم، منير البوتشيشي، قد وصل إلى هنا، وأسراب الأحفاد والأبناء تصل تباعا، ما يوحي بوصول الشيخ. المفكّر طه عبد الرحمان يغالب مرضه ويجلس مبتسما في انتشاء، وفي الجانب الآخر من سرير الشيخ يحتفظ أحمد عبادي، رئيس الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، بمكانه المعتاد. أسرعوا بإحضار صورة الملك في الوقت "بدل الضائع" يتذكّر المنظمون أنهم نسوا تعليق إحدى صور الملك محمد السادس في خلفية المنصة الرسمية، تسارع الأيدي إلى تدارك الأمر فتسبق صورة الملك وصول الشيخ. فيتناميو الطريقة البوتشيشية يجلسون في حكمة بوذية، "دراعيات" صحراوية تؤثث المكان، وعمامة شامية أنيقة وبارزة تنتصب على يمين سرير الشيخ حمزة، "الطريقة القادرية البوتشيشية أصبحت اليوم كونية.. لم تعد منحصرة في المغرب.. وأنتم رسلها وممثلوها في العالم"، بهذه الكلمات النادرة استقبل حمزة ضيوفه الأجانب بعد زوال الخميس الماضي. مستقبلو الشيخ يجتمعون قرب الباب يسار السرير، حارس أنيق يطرق الباب بهدوء وحياء، ثم يدفعه قليلا ويطلّ خشية أن يكون الشيخ خلفه مباشرة، الشبان واليافعون الذين يكونون برفقة الشيخ ينسابون تباعا، قبل أن يدلف "سيدي حمزة" مثيرا وقوف عشرات الآلاف من مريديه، الأعناق تشرئب لرؤيته والحناجر تصرخ وتكبّر. إسبانيون وفرنسيون وأمريكيون يزاحمون آسيويين وأفارقة وعربا لاعتراض نظرات الشيخ والاستمتاع برؤيته. إنها اللحظة التي تتحوّل من أجلها قرية مداغ الفقيرة والمهمّشة إلى قبلة سنوية لباحثين عن أسرار الروح من كل أنحاء العالم. رحلة البحث عن "السيّد" "لقد جئت من مدينة ليل بفرنسا من أجل رؤية "السيد"، أنا محتاج إلى ذلك ومستعدّ لفعل أي شيء من أجله"، يقول عبد الصمد، المغربي المنحدر من مدينة تازة والمشرف على قسم الجودة في إحدى الشركات الفرنسية بمدينة ليل. عبد الصمد الذي صادفناه في زحمة البحث عن "ساندويتش" يُسكت جوع يوم طويل قبل عصر يوم السبت، يحكي رحلة بحثه الطويلة عن حضور مثل هذا اليوم: "أنت تعرف ما يعيشه الشباب المسلم في فرنسا من غربة وضياع وبحث دائم عن الذات، وشخصيا كنت أبحث بكل إصرار عن تلك الطمأنينة التي تريحني"، يقضم عبد الصمد جزءا من ساندويتش اللحم المفروم ثم يضيف: "كلّما أتيت إلى المغرب كنت أبحث وأسأل عساني أجد من يرشدني إلى شخص محدّد في المشرق العربي لأنني آمنت دائما بأن تلك الطمأنينة لن أجدها إلا عند شخص يدلّني عليها في البلدان التي تحافظ، كما كنت أعتقد، على الدين وترعاه". بحث عبد الصمد والتقى شخصا سوريا بمدينة وجدة، ورحل برفقته إلى سوريا بحثا عن عارف بالله وأسرار الروح، "التقيت هناك رجلا من أشراف الناس، ومكثت معه مدة، فقال لي إن من تبحث عنه موجود عندكم في المغرب وليس في أي من بقاع العالم، اذهب وابحث عنه هناك". ثم انفرجت أسارير عبد الصمد وهو يتحدّث عن كيف اكتشف الطريقة القادرية وشيخها حمزة عن طريق الإنترنيت، ثم انضمّ إليها قبل ست سنوات. من هذه القصص كان هنا عشرات الآلاف، نساء ورجال، مثقفّون وأميون، صغار ومسنّون، كلّهم حجّوا إلى مداغ، فحوّلوا محيطها إلى موقف فسيح لمئات الحافلات القادمة من كل المدن والقرى، وسيارات تزاحمت قرب الزاوية وانتشرت على طول الطريق المؤدية إليها. وسوق موسمية انعقدت بين الزاوية وقلب حي "الزاوية"، الفقير المجاور لها، شبان وشيوخ ونساء قضوا ليلة الجمعة إلى السبت ممدّدين إلى جانب بضاعتهم البسيطة، في انتظار اليوم الموعود، فكانت الحركية استثنائية والإقبال على "الباروك" منقطع النظير. فيما اتخذت الطريقة القادرية لنفسها محلّا مخصّصا لبيع السبحات والكتب والأشرطة الخاصة بها. ومقابل البحث الطويل والمضني لعبد الصمد، توجد نماذج أخرى لبوتشيشيين عرفوا الطريق مبكرا أو تلقائيا، وأصبحوا أوفياء لموعدهم السنوي مع الشيخ وليلته الكبرى. عمر، شيخ سبعيني، ينحدر من ضواحي مدينة وجدة القريبة، ويواظب على الحضور إلى مداغ كل سنة. حضور لا يخلو من مشاق وصعوبات خاصة عندما يرنّ جرس الجوع مدوّيا في الأمعاء. لكن الشيخ عمر بخبرته جاء هذه المرة وفي حقيبته طنجرة ضغط وبداخلها وجبة كاملة، لكن الورطة كانت حين أراد تسخين ما بداخلها حتى يمكن الاجتماع حوله وتناوله. "مشينا نقلبو وين نحمّيوها حتى وصلنا لديار ديال الزاوية، تما دقينا على واحد الدار وقلنا لهم يحمّيو لنا الكاميلة، جات واحد المرا الله يعطيها الخير حمّات الماكلة وعطاتنا ربعة ديال الخبزات"، يحكي عمر قصّته مع وجبته العجيبة. المخبرون يندسّون والأمنيون يراقبون كثافة الحضور الذي بات يميّز هذا الموعد السنوي البوتشيشي، وتفكيك إحدى الخلايا الإرهابية قبل سنوات في محيط المقرّ المركزي للزاوية بمداغ، عوامل حوّلت هذا الاحتفال إلى مهمة أمنية صعبة. مصالح الدرك الملكي والقوات المساعدة تنسّق بينها لضمان احتفال آمن، فالطريق بين وجدة والسعيدية تحوّلت إلى محور شديد المراقبة عبر نقط التفتيش وزرع الرادارات، وثكنة حقيقية لعناصر القوات المساعدة رابضت قبالة منطقة الاحتفال. "نحن نتكفّل بتنظيم وتأمين المنطقة التي يتحرّك داخلها المريدون ولا نسمح بدخول رجال الدرك والقوات المساعدة إليها"، يقول مصدر مسؤول بالزاوية، قبل أن يضيف بصوت خفيض: "لكن جحافل من عناصر الأمن السري والـ"دي إس تي" يتسلّلون إلى هنا وهم على أية حال يقومون بعملهم". المسجد الكبير الذي شرع البوتشيشيون في تشييده قرب الزاوية قبل سنوات لم يعرف كثير تغيير أو تقدما في الأشغال، أعمدته تتشح بسواد الإسمنت المسلّح وجدرانه خالية من أي كساء أو صباغة، "نحتاج إلى ما بين مليار وثلاثة ملايير من أجل تحقيق ما رسمناه في البداية وجعل المسجد جامعة متكاملة للتصوف"، يقول مصدر مسؤول. بينما عرفت باقي أرجاء المكان بعض الإضافات وظهور بنايات جديدة، لكن ذلك لم يغيّر من طقوس وعادات البوتشيشيين، فمنذ الساعة الرابعة بعد زوال أول أمس السبت، كان طابور طويل وكثيف من الرجال والشبان وحتى الأطفال يتزاحمون ويتسابقون لولوج باب يؤدي إلى رؤية الشيخ حمزة بن العباس، شيخ الطريقة البوتشيشية. بعض النسائم العليلة تطفئ حرّ يوم شمسه كانت حارقة، والألسن تردّد نشيد "طلع البدر علينا" بهمة وحماس، فيما آخرون يرددون عبارات من قبيل "لا إله إلا الله.. سيدنا يا رسول الله". والهدف واحد: رؤية الشيخ حمزة والاتصال به عبر نظرات أو حتى كلمات، "إذا كان الشيخ "أو نفورم" نقدرو نهضرو معاه ونحن في الصفّ، لهذا جئنا مبكّرا للزيارة حتى نستطيع التحدث إلى السيّد"، يقول أحد المريدين، فيما كانت النساء قد سبقن الرجال إلى هذه الزيارة كما هي العادة. أكثر من عشرة من كبار مسؤولي الزاوية البوتشيشية كانوا هنا قبل عدّة أيام، فعملوا ليل نهار على الإعداد والاستعداد لهذا اليوم المشهود. "نعمل بكلّ جدّ وإخلاص حبّا في هذا الرجل"، يقول أحد هؤلاء الذين قدموا إلى كل من السعيدية وبركان ووجدة للإعداد لوجيستيكيا لليلة المولد النبوي. "كنت قبل يومين في مدينة بركان، وتناولت الغداء في أحد المطاعم، وأخذ بعض الحاضرين يتحدّثون عن الزاوية ويستهزئون، فدخلت معهم في جدال وقلت لهم إنهم إذا كانوا يعتقدون أن كل من يأتون إلى هنا عندهوم الودنين"، ويشير هذا المسؤول البوتشيشي بيديه إلى أذني الحمار الكبيرتين، ويضيف، "فإننا نحن نعتبر من يستطيع المجيء إلى هنا ولا يفعل عندو لكرون كاع ماشي غير الودنين... نحن نقطع آلاف الكيلومترات ونعمل بدون كلل لأننا نحبّ هذا الرجل ونحبّ ما يمدّنا به من أوراد وخيرات". تمويل الفقراء قصة هذا المجيء الكثيف والاستثنائي والحجّ إلى مداغ مازالت لغزا محيّرا يحتفظ شيوخ الطريق بأسراره، فميزانية وتمويل هذا اللقاء واللقاءات المماثلة تبقى طيّ الكتمان، فيما ينفي المسؤولون هنا حصولهم على أي دعم رسمي من أجل إنجاح أنشطتهم، "يقولون إننا نتلقّى مليارين من الدعم سنويا"، يقول أحد مسؤولي الطريقة ضاحكا، ثم يضيف: "لو كان لدينا ربع هذا المبلغ لتقدّمنا في بناء المسجد.. الله يهديكوم راه مساهمات الفقراء هي للي نافعانا". مساهمة كشف لنا عن بعض أسرارها اثنان من المسؤولين الجهويين للطريقة (مقدّمين)، فتوفير تلك المئات من الحافلات التي تقلّ المريدين والضيوف من جميع أنحاء المغرب إلى مداغ لا يتم عبر ميزانية مرصودة مسبقا من طرف الزاوية أو "قيادتها الوطنية"، "بل نقوم بجمع تبرّعات الفقراء، فيعطي كلّ منهم ألف درهم أو أقل أو أكثر، ومقابل ذلك نمنحه عددا من "البادجات"، أي مقاعد على متن الحافلة وأماكن داخل الملتقى، يقوم هو بتوزيعها بطريقته على الفقراء، إما يبيعها لهم أو يتصدّق بها أو كما شاء" يقول هذا المقدّم الذي طلب عدم الإشارة إلى اسمه أو مدينته، فيما يضيف "زميله": "نحن نعتمد أساسا على مثل هذه المساهمات وعلى مساعدات المحسنين، أما مساهمات الفقراء فلا يمكن الاعتماد عليها". الشيخ وحفدته حضور الشيخ حمزة إلى مجالس المريدين، أو ظهور أحد أبنائه أو حفدته، أو مجرّد ذكره أو الانخراط في ترديد جماعي وحماسي للأذكار والأوراد، يُدخل المريدين، القدماء منهم والملتحقين، في حالات من الوجد الصوفي، تتباين شدّته، فمنهم من ينتفض فجأة مطلقا صرخة أو كلمة "الله" أو "آحبيبي"، ومنهم من يغمض عينيه وينخرط في عمليات زفير قوي حتى يكاد يغمى عليه، ومنهم من يكتفي برفع يديه نحو الأعلى بين الفينة والأخرى. فالوجد "إذا نزل على العينين بكيتا، وإذا نزل على اليدين صفّقتا، أو على القلب فيغشى عليه..." كما قال الشيخ محمد المختار الهبري الذي أحيت زاويته، المجاورة للزاوية القادرية البوتشيشية، ليلة المولد النبوي مساء الجمعة.
بعد ميشال طاو الفيتنامي.. أبو الهنود الفلسطيني
بعدما كان نجم احتفالات السنة الماضية بذكرى المولد النبوي في مداغ، عاد الفيتنامي الفرنسي الجنسية، ميشال طاو شان، رفقة أكثر من 10 فيتناميين آخرين هذه السنة. أحد أعضاء حكومة انتقالية سابقة في الفيتنام، وفريق تلفزيوني من إحدى القنوات الفيتنامية، جاؤوا هذه السنة رفقة ميشال، لرؤية الشيخ حمزة والجلوس بجانبه في المنصّة الرسمية. ميشال الذي كان مرشّحا للأمانة العامة للأمم المتحدة، أصبح أحد الوجوه المعروفة والمواظبة على أنشطة الطريقة البوتشيشية، وبدأ في تحقيق ما وعد به السنة الماضية، حين تعهّد باستقطاب الأتباع لفائدة الطريقة، من بلاد "لاندوشين". غير أن هذه السنة، عرفت حضور نجم جديد، عربي فصيح اللسان، ساحر في خطبه وبليغ في عباراته. يتلو القرّآن فيبكي الحاضرون، يقف فيتحدّث فيجذب المريدون، إنه الفلسطيني القادم من وزارة الأوقاف بالقدس المحتلة محمد جمال أبو الهنود. هذا الأخير بدا كما لو كان بوتشيشيا أبا عن جدّ، يمجّد شيخه ويعظّم سنده ويؤصّل لعاداته. جعل ليلة المولد النبوي أفضل من ليلة القدر، لأن ليلة القدر تعرف تزول الملائكة، بينما ينزل الله كل ليلة في الثلث الأخير، أي في موعد ازدياد النبي، حسب أبو الهنود. "لم يخرج من تحت عباءة التصوّف قاتل ولا إرهابي ولا مفسد، بل خرجوا من تحت عباءة من حاربوا التصوّف والأولياء والتوسّل برسول الله وصحابته... هؤلاء ضيّقوا التفكير، وتضييق التفكير يؤدي إلى التكفير، والتكفير يؤدي إلى التفجير" يقول أبو الهنود. الاثنين 1 مارس 2010
مداغ – يونس مسكين وأيمن زيزي
مواضيع ذات صلة
الخزانة الناصرية: كنز علمي منسي في الصحراء - 2010-06-13يوم قال الجابري: الآن.. مرحبا بعزرائيل! - 2010-06-08قـــراءة الطــــالع.. الســرقــة بالفــــن - 2010-06-07الشانزلزيه.. شارع المال والأعمال الذي لا ينام - 2010-05-30تعليق جديد
|
||||||
|
|||||||


الرئيسية








