|
|||||||
|
|
الأمية كانت مخدرا وصارت سلاحا خطيراالقراءة عُملة نادرة في بلادنا، فرغم مرور 50 سنة على استقلال البلاد، ورغم أن نظريات التنمية البشرية كلها توصي خيرا بالقراءة والتعلم وبناء مجتمعات المعرفة، فإن المغرب مازال يعيش فيه 50 % من السكان، محرومون من نعمة القراءة، ومحرومون من إمكانية تحسين دخلهم والرقي بمستوى عيشهم... لماذا؟ في القرون الأربعة التي كان فيها العالم المتقدم يخرج من ظلام التخلف إلى نور التقدم، وكان يعمم القراءة والكتابة على أوسع الفئات، كنا نحن لا نزال نغط في نوم عميق. البلاد كانت تعيش قلاقل وفتنا واضطرابات حول السلطة، والعلماء كانوا يقسمون الناس بين خاصة وعامة، وعموم عباد الله كانوا مشغولين بتأمين الطعام وحفظ النفس. مع بداية القرن العشرين، سقطت البلاد بين أنياب الاستعمار الفرنسي، وطبعا لم يكن في أجندة فرنسا تعليم المغاربة ولا تقدم المملكة الشريفة، لهذا اقتصرت خارطة المدارس الفرنسية على حاجيات الإدارة الاستعمارية من الأطر والمترجمين، في حين اقتصرت مدارس الحركة الوطنية على أبناء الأعيان والطبقات المتوسطة، فيما كان التعليم الديني منحصرا في وظائف الفتوى وإقامة الشعائر... خرج المغرب من عهد الاستعمار ودخل إلى عهد سلطوي كانت فيه الدولة ترى أن التعليم ونشر الوعي يشكل خطرا على "هيبة المخزن"، وتمردا على "عصا الطاعة"، وهذا بالضبط ما لخصه الملك الحسن الثاني عندما سأله الصحافي الفرنسي جان دانيال عن سبب فشله في تعميم القراءة والكتابة رغم طول فترة حكمه للمغرب (38 سنة). قال الملك الراحل بعفوية وجرأة نادرتين: "ماذا أفعل؟ كل من علمتهم إما ذهبوا يسارا إلى الأحزاب الراديكالية أو يمينا إلى الجماعات الأصولية... ثم من قال لك إن التعليم هو الطريق الوحيد نحو الوعي... المغاربة راضون بعيشهم الموروث عن الآباء والأجداد"... كان الراحل الحسن الثاني يقيم بذكاء فرقا بين التعليم والتربية، ولا يعتبر أن الشخص الأمي يعاني من إعاقة، بل يرى أن الأمي قد يكون شخصا ذا تربية عالية ووعي كبير... نعم، قد يكون الأمي واعيا، وقد يكون المتعلم غير واع، لكن هذه ليست قاعدة، ثم إن التعليم بكل مستوياته لم يعد "كماليا".. لقد صارت المعرفة وطرق الوصول إليها هي أوكسجين الحياة المعاصرة، ماديا ومعنويا. نحن بلاد بها 13 جامعة اليوم، وأكثر من 60 معهدا، وملايين من التلاميذ والطلبة وعشرات الآلاف من الأساتذة والمعلمين والمحامين والأطباء والمهندسين، لكننا لا نستهلك سوى 450 ألف جريدة كل يوم، وأحسن كتاب لا يطبع أكثر من 4 آلاف نسخة، وتونس، التي يقل عدد سكانها ثلاث مرات عنا، تستهلك ضعفي ما نستهلكه من ورق... اليوم صار فقر سوق القراءة عائقا كبيرا نحو تطور مجتمع بأكمله، وعندما نرى أن ميزانية وزارة الثقافة تقل عن 0.38 %، ندرك أن الحكومات المتعاقبة مازالت تختار، عن وعي أو جهل، سياسة ترك فئات واسعة من الشعب تأكل وتشرب وتنام كما هي باقي مخلوقات الله العجماء... كانت الأمية أداة حكم بالأمس، وصارت اليوم خطرا على التقدم.. كانت الأمية مخدرا للشعب، وصارت اليوم حطبا للتطرف الديني.. كانت الأمية أداة لإبعاد الناس عن السياسة، وصارت اليوم خطرا على السياسة... الاحد 14 فبراير 2010
مواضيع ذات صلة
أنا مضرب عن الكتابة - 2010-06-13مشهد مرعب - 2010-06-07المغرب والجزيرة.. ماذا يجري؟ - 2010-05-30لا.. لماذا اختفت من القاموس السياسي؟ - 2010-05-23أي جيش لأي مستقبل - 2010-05-16الفكر والسياسة - 2010-05-12 |
||||||
|
|||||||


الرئيسية








